قتضي حياة الإنسان التواصل بين الأفراد و تبقى اللغة جسر التواصل و تستوجب عملية الإنتاج الكتابي حسن استعمال قواعد اللغة و مفرداتها و أساليبها البيانية لأن الأفكار لا تنمو و تتضح إلا بنمو اللغة. فالفكرة و الكلمات شرطان متلازمان لحصول عملية الإنتاج الكتابي. فمادة الإنتاج الكتابي من أصعب مواد التعليم و التعلم على الإطلاق نظرا للأهمية التي تكتسبها كمادة تعلم.
■■1. مفهوم الإنتاج الكتابي :
■لغــــة :
هو التبيين و الأعراب عما يدور في النفس بطرق متعددة مثل الحركة، الموسيقى ، الرسم ، الكلام ، الرقص.
■اصطلاحــا :
هو ترتيب المعاني التي تختلج في النفس وصوغها في قالب لفظي صحيح.
و يقصد به أيضا عملية نقل للصيغ المنطوقة و المرئية إلى صيغة مكتوبة باستعمال رموز و مصطلحات و بني لغوية تخضع لقواعد و أحكام متفق عليها في لغة معينة. فالإنتاج الكتابي يمثل عملية تأليف مزدوجة . إنها تأليف بين الأفكار و بين عناصر اللغة.فهو عملية معقدة تخضع لعوامل عديدة أهمها:تقدم العمر الزمني والعقلي للمتعلم ، نمو عمليتي التحليل و التركيب و توفر الثروة اللغوية .
■■2. الإنتاج الكتابي من وجهة نظر علمية :
■1. الخصائص
إن أهم ما يختص به الإنتاج الكتابي هو انفصال الباث عن المتقبل مما يجعل عملية التواصل صعبة، فالإنتاج الكتابي هو تواصل مكتوب و مؤجل نظرا لانفصال الباث عن المتقبل .فالتواصل الكتابي صناعة تعتمد على الممارسة الفعلية من قبل المتقدم وتتطلب مهارة وحدقا للغة فعلى حد قول ابن خلدون " اللغات ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن معاني وجودتها تجسد تنامي الملكة أو نقصانها."
فالإنتاج الكتابي يختلف عن الإنتاج الشفوي فلكل منهما خاصياته المميزة حيث توجد فروق كبيرة بين الشفرة المنطوقة و الشفرة المكتوبة.
■2. وظائف اللغة :
يضطلع الإنتاج الكتابي بــ :
●●وظيفة التواصل :
تؤمن الكتابة هذه الوظيفة باعتبارها تمكن منتج النص ( الباث) من التواصل مع من هو غائب عنه.
●●وظيفة التذكر:
تمكن المنتج من تخليد ما مر به سواء كان متعلقا ببعض الذكريات ( شخصيات، مكان، زمان معين ...).
●●وظيفة استدلالية :
على عكس النص المقروء يمكننا المكتوب من متابعة أفكار المنتج بكيفية متتابعة ودون تقطع أي أن لكل جملة أو كلمة أو حرف معنى لا تفهمه من خلال المشافهة.
●●وظيفة جمالية :
و تكمن في الرسالة ذاتها من حيث مضمونها أو شكلها الجمالي فالمخاطب منا لا يقصد الإخبار أو التأثير بقدر ما يسعى إلى إظهار رسومات جمالية في الخطاب ( الصورة الشعرية مثلا...) بغرض ترغيب المتقبل على قراءته.
■3. العوائق التعليمية :
يقتضي تعلم اللغات و امتلاك القدرة على الإنتاج السليم تجاوز جملة من الصعوبات و في هذا الإطار تفيدنا أبحاث "مارتيناي" Martinet بأن اللغة تشغل 4 وظائف رئيسية هي التواصل ، التفكير، و السند للتفكير و الوظيفة الجمالية
و لعل الوظيفة الأساسية تكمن في التواصل لأنها أداة تمكن من ربط العلاقات بين أفراد المجموعة التي تعتمدها إلا أن هذا التحكم في الاستعمال يقتضي تسليط الأضواء على بعض القضايا.
●●التداخل اللغوي:
استعمال صياغات صوتية أو صرفية أو تركيبية أو معجمية في اللغة التي نتعلمها وتختص بها لغتنا الأصلية –يثير هذا التعريف عدة ملاحظات منها تعامل المتعلم مع أكثر من لغة ( أصلية / متعلمة) و التداخلات تتم من اللغة الأصلية إلى اللغة المتعلمة.
●●مراحل اكتساب اللغة:
يمر الطفل في اكتساب اللغة من مرحلة الفهم إلى الكلمة فالجملة الكاملة من وجهة نظر المقاربة الوصفية أما من وجهة نظر المقاربة الهيكلية فاكتسابها يتطور حسب خط يبدأ بالأنوية و ينتهي بالجمعنة.
●●الاختلالات النحوية :
تكمن فيما يعانيه بعض الأطفال من اختلالات في الوظيفة النحوية وهي نوعان :
●●- اختلالات فيزيولوجية مثل ضعف السمع أو اختلال الجهاز الصوتي
●●- اختلالات نفسية كالتمتمة و البغبغة
■الخطأ :
الخطأ التلمذي سلوك شائع و قد بينت الدراسات الحديثة أن الخطأ سلوك إيجابي يؤسس لتعلمات جديدة إذا ما حددت أسبابه و أحسن استغلاله.
■■3. الإنتاج الكتابي و علاقته بالمواد الأخرى:
●●1. علاقة الإنتاج الكتابي بالتواصل الشفوي :
يربط التصور القديم لتعلم اللغة بين مادتي الإنتاج الكتابي والإنتاج الشفوي، فمن خلال هذا المنظور يمهد التواصل الشفوي إلى الإنتاج الكتابي و بالنسبة إليه هما سجلان متكاملان إلا أن هذا التصور خاطئ لأن هناك فوارق عديدة بين الشفرة المنطوقة و الشفرة المكتوبة بما يجعل بناء المكتوب في المنطوق أمرا عسيرا و عندما يكون الإقرار بأن المكتوب لا ينسل إلا من خلال سجلّ ذي طبيعة مكتوبة و بالتالي تبرز العلاقة وطيدة و قوية و منطقية بين القراءة و الإنتاج الكتابي. و تتميز الشفرة المنطوقة بالاعتماد على الصوت ( حضور الباث و المتقبل) أما الشفرة المكتوبة فتمتاز بالرسم و غياب أحد الطرفين.
■■2. علاقة الإنتاج الكتابي بالمواد اللغوية :
العلاقة متينة بين الإنتاج الكتابي و هذه المواد نلمسها مثلا في دروس القراءة و المطالعة و دراسة النص إذ تزوّد المتعلم بالمادة و ألوان المعرفة الثقافية.
و قد وردت هذه التوطئة الخاصة ببرامج اللغة .إن تدريس اللغة العربية يجب أن يكون إجماليا متواصلا. أما قواعد اللغة فتعد دروسها غاية في حد ذاتها و لا قيمة لها إن لم تساهم في تنمية قدرات الطفل التعبيرية.
أما المقطوعة الشفوية فتساهم في توفير قوة الذاكرة و تربية الذوق و تقويم الذاكرة و تقويم اللسان و توفر أيضا أسباب الارتقاء بالا نتاج من خلال تفسير بعض الكلمات و إدراك المقاصد.
■■4. الإنتاج الكتابي من وجهة نظر المتعلم :
عندما نتحدث عن تدريب المتعلمين على الإنتاج الكتابي فإننا نتحدث في الواقع عن كفايتين أساسيتين و هما :
■الكفاية البيانية:
و تتمثل في تطوير و اكتساب عادات تعبيرية و اكتساب عادة التخطيط و الهيكلة و اكتساب عادة مراجعة الإنتاج المكتوب ثم إعادة كتابته.
■الكفاية الفرعية:
و تتمثل في بناء النص المكتوب و القدرة على استغلال حصص قواعد اللغة و لا يمكن تطوير الكفاية البيانية إلا بـــ:
●●- اكتساب عادات تعبيرية :
تتمثل في تدريب المتعلمين على اتخاذ مقام المتقبل وذلك لكي يكتشفوا مدى وضوح الرسالة لأن ماهـو واضح بالنسبة للباث ليس بالضرورة واضحا بالنسبة للمتقبل.
●●- التدرب على حسن استعمال أدوات الربط و التنصيص لأنها تساعد على فهم المكتوب و التدرب على هيكلة النص المكتوب بتقسيم النص إلى فقرات.
●●- اكتساب عادة التخطيط و الهيكلة :
التدرب على سرد كل الأفكار التي يجب تحليلها وهو عمل بإمكان المتعلمين القيام به في المنزل و التدريب على تحليل المواقف و على اختيار المناسب.
●●- تدريب المتعلم على رسم الخطوط العريضة لإنتاج النص و ترتيب الأفكار و تأليف المقدمة والخاتمة.
■الكفاية اللغوية( الفرعية):
لا يمكن التحدث عن كفاية لغوية ما مل تتوفر لدى المتعلم كفاية بيانية فإن بقي عاجزا عن بناء النص المكتوب والجمل فإن الكفاية اللغوية لا يتم تطويرها و تتأسس هذه النظرية على ركيزتين:
●●1. بناء الجملة :
و ذلك بإعادة جمل مركبة انطلاقا من مجموعة من العناصر المكونة لها. إذ من الضروري تدريب المتعلمين على أنواع جميع الجمل.
●●2. بناء النص المكتوب : إذ من الضروري تدريب المتعلم على إعادة بناء النص انطلاقا من أحداث مشوشة و يحتاج المتعلم هنا إلى مجموعة من المعارف تتمثل في استعمال الأزمنة و توظيفها توظيفا وجيها و امتلاك لغة سليمة.
■■5. الإنتاج الكتابي في مستوى المعلم:
يقوم المعلم بدور أساسي في تحسيس المتعلم بأهمية الإنتاج الكتابي و تحفيزه على ممارسته، و يكون ذلك من خلال التهيئة المسبقة أو الإعداد المسبق الذي ينقسم إلى قسمين:
●●- الإعداد المباشر:
بمناسبة دروس القراءة و النحو الصرف و أثناء المطالعة بمطالبة الأطفال بالبحث عن المعاني المتعلقة بالموضوع المطالب بتحريره في نصوص القراءة و في كتب المطالعة و بأخذ مذكرات يستعينون بها عند التحرير. كما يطالبون بتحريره في القراءة بملاحظة ما من شانهم أن يعينهم على إيجاد الأفكار و الصور اللازمة.
●●- الإعداد الغير المباشــر: يقع أثناء الدرس و يشرف عليه المدرس و يكون بمثابة التمهيد للتحرير و يهدف إلى تدريب الأطفال على التفكير المنظم وتعويدهم على تحليل المواضيع و ترتيب الأفكار و المعاني.
و المواضيع التي يجب اختيارها في عملية الإنتاج الكتابي يجب أن تكون المواضيع التي تعطى في المرحلة الابتدائية متناسبة مع إمكانيات التلاميذ العقلية و اللغوية و أن يتم اختيارها من بيئتهم و قد ورد في البرامج الرسمية ما يـلي:
●●- اعتبار حصص الإنتاج الكتابي فترات مميزة يتدرب فيها المتعلمون على إنتاج نصوص متنوعة أصيلة تخلق لديهم الحاجة إلى التواصل كتابيا.
●●- إتاحة فرص كافية يمارس فيها المتعلمون تقييم ما ينتجونه من نصوص تقييما ذاتيا أو تقييما متبادلا.
- إيلاء الأخطاء المتصلة باتساق النص و انسجامه الأولوية عند الإصلاح.
فتحي البلدي
التعليقات